التفاصيل

رؤى بصرية خلاقة في مهرجان الفنون الإسلامية - خصوصية الإبداع بين الأصالة والمعاصرة

26 نوفمبر, 2017




يعد مهرجان الفنون الإسلامية الذي تنظمه دائرة الثقافة في حكومة الشارقة، وتنطلق دورته العشرون تحت شعار «أثر» في 13 ديسمبر/ كانون الأول المقبل حتى 23 يناير/ كانون الثاني 2018 من أكبر المهرجانات العربية التي تعنى بالمنجز الفني الإسلامي عبر العصور، تأسس المهرجان في العام 1998 وهو يقام سنوياً بتوجيه ورعاية صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، وهو بكل المقاييس يعتبر حدثاً فنياً دولياً متخصصاً يعكس حيوية الفنون الإسلامية وعمقها التعبيري كلغة فنية عالمية.



المهرجان من دون شك، يترجم رؤية الشارقة في تأصيل الفنون الإسلامية وتجديدها وترسيخ حضورها على الساحة العالمية المعاصرة للإبداع البصري، و عبر دوراته العشرين عود متابعيه على احتضان تجارب فنية دولية ضمن معارض فردية، وغالبا ما تقام في متحف الشارقة للفنون، وتعكس الأعمال المشاركة في المهرجان تنوعا في الطروحات الفنية في المضمون والشكل، ويرافقها فعاليات تفاعلية مختلفة في أماكن متعددة، كالندوة الفكرية، وعرض الأفلام التخصصية، وتنظيم الورش العملية.



سعت إدارة المهرجان في كل دورة من دوراته، إلى اختيار شعار تحقق غاية ما تطمح إليه فكرة الفنون الإسلامية التي تنطلق من شعار يلامس روحية خاصة للتصور الإسلامي للإنسان، وهي روحية تعبر في نهاية المطاف عن مجموعة من القيم التي تسمو بالنفس وتبتعد بها عن الشهوات والأغراض الدنيوية، وتسمح لهذه الروح بالإبحار في فضاء سامٍ من القيم، التي تحقق التوازن بين المادة والروح، عبر رحلة فلسفية خاصة يتسم بها الدين الإسلامي، وتتحدد منطلقاتها من القرآن الكريم والسنة النبوية، لكنها أيضا تتيح للفنان المسلم أن يستلهم ما في الحضارة الإسلامية من أبعاد فنية جمالية تبتكر المعاني والدلالات، التي تصل الفكر بالفن، وتتيح حرية الحركة للفنان باستلهام رؤى بصرية خلاقة، ليكتشف من خلالها معنى الوجود بواسطة الفن الإسلامي، هذا الذي حقق عبر تاريخه المضيء، نقلة جمالية تعاطت مع فنون العالم وأثرت فيها وتأثرت، لكنها سرعان ما انتشرت وحققت خصوصيتها عبر بقاع الأرض وكان لبصماتها وأساليبها ومدارسها الفنية أثره في التعريف بالفنون الإسلامية وما تطرحه من قيم وجمالية وروحية عميقة.



بهذا المعنى يمكن دراسة شعار الدورة 20 لمهرجان الفنون الإسلامية التي ستنعقد تحت شعار «أثر» وهو مفهوم يتتبع أثر الفنون الإسلامية في كل ما أنجز، ومن جهة أخرى فهو يتيح للفنان المسلم أن يبدع حركية فنية خاصة، هي بمثابة أثر، تتجلى فيه آفاق العبقرية الإسلامية في الإبداع البشري على صعيد الصورة والخط، والتفاعل بين مكونات المعطى الجمالي والأخلاقي التي تتيحها لعبة الفن، وهو تحد كبير أمام الفنان المسلم، ليدرك أبعاد هذه اللعبة الفنية، بوصفها عابرة للزمن، وليست مفصولة بطبيعة الحال عن الحيز أو المكان الذي يستثمر مساحة الفن، ويترك فيه أثره مفعما بروحية الإبداع التي تحلق في فضاء المنجز الفكري الحضاري للإنسان المسلم، وتترك مساحة من الفعل، قابلة للتثاقف والحوار مع مختلف الحضارات الإنسانية، بما تقدمه من معرفة ذات قيمة كبرى تحددها منطلقات الفن كقيمة جمالية صرفة، وأيضا ذلك المضمون العميق الذي يلامس جوهر الكائن وحقيقة وجوده على الأرض.



شعار الدورة الجديدة فرصة لملامسة «الأثر» الفني انطلاق من خيال المبدع ذاته، وهي من دون شك لحظة إبداعية وبصرية تتيح مجالا واسعا لاستثمار طاقة الفن، وكذلك تعبيرية الفن، لتختزل ما في الصورة من معنى، وما في الصورة من دلالات تركتها الفنون الإسلامية عبر جغرافيا شاسعة وروافد ثقافية شتى التقت مع دلالات وأبعاد الحضارة الإسلامية وتذوقت ما فيها من جماليات، سبق أن تركها الفنان المسلم، وهذا «أثر» موجود وخالد، وتم استلهام ما فيه من قوى تعبيرية وفنية، من خلال كثير من المنجزات ولنقل «اللوحات» أو الأعمال «التي أنجزها الفن الإسلامي في صوره الكثيرة سواء التفاصيل المعمارية على الجدران أو المساجد، أو في الزخارف والنقوش والمنمنمات التي أثرت فنون العالم البصرية، وكانت على الدوام باقية وتعبر بجلاء عما في حضارتنا الإسلامية من مستويات تعبر عن أصالة فنية راسخة لم تزل حتى هذه اللحظة، وهي من دون شك باقية بوصفها أقامت رمزيتها وخصوصيتها من خلال الفن عبر ما قدمته من تناغم وتكامل، يتسم بالفرادة على صعيد الربط بين ما هو روحي وما هو مادي، وباستطاعته أن يجيب عن تلك الأسئلة التي تقترحها ذائقة الفن، وتلك اللغة البصرية، بوصفها لغة عالمية تخاطب الماضي وتتعايش مع الحاضر وتستقرئ المستقبل، بوصف الفن مرآة لثقافات العالم، وبوصفه أيضا خطابا بصريا ونصيا قابلا للبحث والتأمل والدراسة، وبوصفه كذلك قائما في الإبداع على مساحة المنجز الفني والبصري العالمي، الذي لم يترك شاردة ولا واردة إلا وتعامل معها، غير أن ما يميز الفنون الإسلامية، ونحن نتأمل إبداعاتها المعاصرة، هو تلك اللمسة الخاصة التي تركتها عبر تأصيلها للفنون، بما تركته من صيغ وأساليب تعبيرية مدهشة.



من هنا، يمكن فهم لعبة الفن ضمن هذا الشعار وهو «أثر» بكونه يشكل تحديا للفنان المسلم، تحديا من نوع جديد، على إيقاع لعبة الفن، وفلسفة الفن واتجاهاته، من دون أن يفقد الفنان المسلم بوصلة محدداته الفكرية والجمالية، ومن دون أن يفقد حسن التعبير عن الجمال في كل صورة من صور الوجود، هذا الوجود اللانهائي والكوني والساحر الذي أدركته مخيلة الفن الإسلامي واستقرأته على مدى أكثر من أربعة عشر قرنا نابضا بالحب والجمال والإشراق، ومحكوما بحسن إيقاعه الفني والجمالي وتناغمه الفريد مع كامل المخلوقات التي تعيش على الأرض.